ملا نعيما العرفي الطالقاني

100

منهج الرشاد في معرفة المعاد

ذلك الحمار حيث كانت الصورة العظميّة باقية فيها ، أو لا تبقى فيها تلك الصور ، بل كانت رميما ورفاتا وترابا ومزّقت كلّ ممزّق ، كما في أكثر الموتى الذين أخبر اللّه عن بعثهم ، فنسبة قدرة القادر المختار العليم الحكيم على السواء إلى جمع الجميع وإفاضة الصور الأصليّة والفرعيّة عليها بحيث تصير عين الأوّل باعتبار الأصل ، وان كانت مثلها من جهة بعض الاعتبارات غير المنافية للعينيّة ذاتا ، وكذا إعادة النفس الأولى الباقية إليها كما في شأن الإنسان الذي كلامنا فيه ، ويدلّ العقل والنقل على أنّ روحه جوهر مجرّد باق ، وبحيث يكون الشخص المعاد عين المبتدأ بعينه ، فإنّ الكلّ ممكن بالذات غير مستحيل عقلا ولا شرعا ، وهو مقدور للقادر المختار الذي لا يعجز عن شيء ، ولا يعزب عنه شيء كما إذا كان البدن غير متفرّق الأجزاء باقيا بمادّته وصورته ، كما في قصّة عزير عليه السّلام وقصّة أصحاب كهف . فلذلك حكى سبحانه عن عزير عليه السّلام : انّه لما أماته اللّه تعالى مائة عام ثمّ بعثه وأحياه فأمره بالنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنّه ، وكانا باقيين على حالهما وصورتهما الأصليّة بمادّتيهما ، بحيث لم يتغيّرا أصلا بمضيّ السنين ، وكذا أمره بالنظر إلى حماره وبقاء عظامه وإفاضة اللّه تعالى الصورة اللحميّة عليها وجعله حيّا مثل الأوّل . وتبيّن له ذلك « قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » « 1 » وانّه كما يقدر على إعادة الروح إلى الجسد الباقي ، كذلك يقدر على جمع الأجزاء المتفرّقة وجعلها حيّة . وكذلك قال في شأن أصحاب الكهف حيث بعثهم بعد ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا بإعادة أرواحهم إلى أجسادهم الباقية . « وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها » « 2 » وأنّه كما يقدر على إعادة الأرواح إلى الأجساد الباقية غير المتغيّرة ، كذلك يقدر على جمع الأجزاء المتفرّقة من البدن وإعادة الروح إليها مرّة أخرى ، وأنّ المعاد جسمانيّ وروحانيّ لا أحدهما وحده . ولعلّ اختلاف مراتب المعاد الذي أخبر عنه جلّ وعلا في الكتاب الكريم كهذه القصص ، وقصّة الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت فقال لهم اللّه موتوا ثمّ أحياهم ، « 3 » والآيات التي دلّت على وقوع المعاد وإن صارت الأجساد عظاما وترابا ورفاتا ومزقت كلّ ممزّق إشارة إلى إمكان الجميع ، وكون الكلّ مقدورا للّه تعالى ،

--> ( 1 ) - البقرة : 259 . ( 2 ) - الكهف : 21 . ( 3 ) - إشارة إلى آية 243 من سورة البقرة .